شروط صحة الاعتراف كدليل قانوني وفق القانون العراقي
المقدمة:
تعد شروط صحة الاعتراف احد اهم الدفوع القانونية في الدعوى الجزائية حيث ان الإقرار أو الاعتراف أحد أهم الأدلة القانونية المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في الدعاوى الجزائية لثبات الجريمة ونسبها لمرتكبها لكنه في ذات الوقت يخضع لشروط قانونية لضمان وصحته لكي تطمئن المحكمة اليه وتأسس عليه قناعتها عند إصدارها للحكم الفاصل بالدعوى لذا من الضروري معرفة هذه الشروط وكيفية اثارتها في الدعوى الجزائية ولقد حرص المشرع العراقي على ضمان حقوق المتهمين من خلال عدة نصوص قانونية وردت في الدستور العراقي وقانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات العراقي.
وسبق وان بحثنا موضوع الاعتراف بشكل مفصل تحت عنوان (الاعتراف و الضمانات الدستورية لحماية حقوق المتهمين في القانون العراقي) ستجد رابطه اسفل هذا المقال وفي هذا المقال سنتعرف على الشروط التي يجب توافرها للاعتراف حتى يُعد دليلاً قانونيًا صحيحًا في الدعوى الجزائية واتجاهات محكمة التمييز الاتحادية الموقرة التي توضح كيفية تطبيقها في الواقع العملي.
يشترط لتحقق صحة الاقرار (الاعتراف) كدليل قانوني في الدعوى الجزائية توافر الشروط التالية:
أولاً : من شروط صحة الاعتراف أن يكون صادراً أمام مجلس القضاء أمام مجلس القضاء .
ويقصد به ان يكون الاعتراف صدر من المتهم امام سلطة قضائية مختصة بالتحقيق اي امام المحقق او قاضي التحقيق أو امام محكمة الموضوع ولا يعتد باعتراف المتهم المدون خارج المحكمة من قبل افراد لا يتمتعون بالصفة القانونية
حيث نصت المادة (٢١٣) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم ٢٣ لسنة ١٩٧٣ (ا – تحكم المحكمة في الدعوى بناء على اقتناعها الذي تكون لديها من الادلة المقدمة في اي دور من ادوار التحقيق او المحاكمة وهي الاقرار وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والمحاضر والكشوف الرسمية الاخرى وتقارير الخبراء والفنيين والقرائن والادلة الاخرى المقررة قانونا.
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الموقرة في قرارها :
نوع الحكم: جنائي
رقم الحكم: 270/اعتراف متهم/2008
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: يكون الاعتراف قانونياً وسليماً أمام المحقق وقاضي التحقيق إذا جاء مطابقاً لأقوال المدعين بالحق الشخصي والشهود حتى وإن جاء هذا الاعتراف مؤولاً أمام محكمة الجنايات وتكون الأدلة متوفرة للإدانة.
ثانياً: من شروط صحة الاعتراف القانونية أن يكون المتهم بالغاً راشداً
ويقصد به أن يكون المتهم المُقِر قد بلغ سن الرشد الجنائي، أي يكون أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية. حيث نصت المادة (٤) من قانون رعاية الاحداث رقم (٧٦) لسنة ١٩٨٣ (يثبت عمر الحدث بوثيقة رسمية وعند عدم وجودها او ان العمر المثبت فيها يتعارض مع ظاهر الحال فعلى المحكمة احالته للفحص الطبي لتقدير عمره بالوسائل العلمية.
ونصت المادة (٤٧) من قانون رعاية الاحداث رقم (٧٦) لسنة ١٩٨٣:
اولا – لا تقام الدعوى الجزائية على من لم يكن وقت ارتكاب الجريمة قد اتم التاسعة من عمره.
ثانيا – اذا ارتكب الصغير فعلا يعاقب عليه القانون فعلى المحكمة ان تقرر تسليمه الى وليه ليقوم بتنفيذ ما تقرره المحكمة من توصيات للمحافظة على حسن سلوكه بموجب تعهد مقترن بضمان مالي لا يقل عن مائتي دينار ولا يزيد على خمسمائة دينار لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات.
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الموقرة في قرارها:
نوع الحكم: جنائي
رقم الحكم: 82/الحكم على الحدث/2009
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: إذا أتم الحدث الثامنة عشرة من عمره عند إصدار الحكم، فيقرر إيداعه عند الحكم عليه في مدرسة الشبان البالغين.

ثالثاً: العقل شرط من شروط صحة الاعتراف في الدعوى الجزائية .
تعد السلامة العقلية من اهم شروط صحة الاعتراف في الدعوى الجزائية اي يجب أن يكون المتهم المُقِر عاقلاً، غير فاقد للإدراك أو الإرادة، ولا يجوز الاستناد إلى اعتراف صادر من متهم كان في حالة فقدان عقلية أو تحت تأثير مرض نفسي أو مواد مسكرة أو مخدرة أُعطيت له قسرًا وبدون علمه، ويعتبر هذا الشرط مهما من شروط صحة الاعتراف حيث إن إرادة المتهم تمثل الأساس في حجية الاعتراف، ولذلك فإن أي تشويه في الإرادة، سواء أكان عبر التعذيب أو التهديد أو الوعد، يؤدي إلى بطلان الاعتراف.
حيث نصت المادة (٦٠) من قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ :
المادة ٦٠
لا يسال جزائيا من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الادراك او الارادة لجنون او عاهة في العقل او بسبب كونه في حالة سكر او تخدير نتجت عن مواد مسكرة او مخدرة اعطيت له قسرا او على غير علم منه بها، او لاي سبب اخر يقرر العلم انه يفقد الادراك او المخدرة او غيرها سوى نقص او ضعف في الادراك او الارادة وقت ارتكاب الجريمة عد ذلك عذرا مخففا.

فغياب الأهلية العقلية يمنع قيام المسؤولية الجزائية، ويجعل الاعتراف غير صالح للاعتماد كدليل. وقد أكد القضاء العراقي على ضرورة عرض المتهم على لجنة طبية نفسية مختصة اذا كانت لديه تقارير طيبة في وقت سابق لارتكاب الجريمة تثبت بانه مصاب بمرض عقلي هو غير مدرك لتصرفاته وقت ارتكاب الجريمةوكذلك في حال وجود مؤشرات على اضطرابات عقلية أو نفسية. ويُعد هذا من الضمانات الأساسية لحماية حقوق المتهم وضمان عدالة الإجراءات الجزائية.
نوع الحكم :: جزائي
رقم الحكم ::93/الحكم على الحدث/2009
جهة الاصدار::محكمة التمييز الاتحادية
مبدء الحكم
إذا تبين من تقرير مكتب دراسة الشخصية ان الحدث يمر بمرحلة يدل منها على اضطراب الشخصية فعلى المحكمة إحالته إلى اللجنة الطبية العدلية والنفسية في مستشفى الرشاد لبيان ما إذا كان يقدّر مسؤولية عمله يوم الحادث وهل يستطيع الدفاع عن نفسه أمام المحكمة.
في بعض الحالات، قد يلجأ المتهم إلى ادعاء الجنون أو اصطناعه بعد ارتكاب الجريمة، بهدف الإفلات من المسؤولية القانونية. وهنا يقع على عاتق المحكمة التحقق من صحة هذا الادعاء من خلال التقارير الطبية المتخصصة. ولا يُقبل الادعاء بالجنون ما لم يكن ثابتا بتقرير طبي يُثبت فقدان الإدراك وقت ارتكاب الجريمة.
اما في حالة ادعاء المتهم الجنون بعد الحكم عليه من قبل محكمة الموضوع فيتم عرضه على لجنة طبية رسمية فاذا ثبت اصابته بعاهة عقلية فيتم عرض القضية على نفس المحكمة التي اصدرت الحكم لتقرر ايداعه في احدى المؤسسات الحكومية المعدة للامراض العقلية مع الاخذ بعين الاعتبار تطور حالته الصحية حيث بينت المادة (٢٨٣ الفقرة ج ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية :
جـ – اذا ثبت بتقرير من لجنة طبية مختصة ان المحكوم عليه مصاب بعاهة عقلية تقرر المحكمة وضعه تحت الحراسة في احدى المؤسسات الصحية الحكومية المعدة للامراض العقلية حتى تنتهي مدة العقوبة. واذا شفى قبل انتهاء مدة العقوبة فيعاد الى السجن او المؤسسة لاكمال ما بقي من مدة عقوبته وتنزل المدة التي قضاها تحت الحراسة في المؤسسة الصحية من مدة عقوبته.
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الموقرة في قرارها :
نوع الحكم: جنائي
رقم الحكم: 155/لجنة طبية/2007
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: إذا لم يظهر من تصرفات المتهم أثناء التحقيق أو المحاكمة ما يستدل منه على إصابته بمرض عقلي، فللمحكمة الامتناع عن إرساله للجنة طبية.
رابعاً: من شروط صحة الاعتراف أن يكون ناتجًا عن إرادة حرة بلا إكراه
يعتبر اكراه المتهم و انتزاع الاعتراف منه بالقوة عن طريق التعذيب او المعاملة السئية و الغير انسانية جريمة وفقا لاحكام قانون العقوبات العراقي النافذ فالاعتراف المنتزع باي وسيلة غير قانونية لا يعتد به قانونا مالم يكن الاعتراف كان بمحض وارادة المتهم من خلال مواجتهه بالادلة القانونية المتحصلة ضده في القضية فالارداة الحرة ضمنها القانون وعدها احد شروط صحة الاعتراف وعليه يجب أن يكون المتهم متمتعًا بحرية الاختيار وقت الإدلاء باعترافه، أي يكون بمحض إرادته وبدون إكراه أو تعذيب أو ضغط نفسي. حيث اكدت المادة (٣٧) من الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ على:
أولاً:
أ ـ حرية الانسان وكرامته مصونة.
ب ـ لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي.
ج ـ يحرم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية، ولأعبره بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي اصابه، وفقاً للقانون.
ونصت المادة (١٢٧) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (لا يجوز استعمال اية وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على اقراره. ويعتبر من الوسائل غير المشروعة اساءة المعاملة والتهديد بالإيذاء والاغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير.
وكما وأكدت المادة (٢١٨) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (يشترط في الاقرار ان لا يكون قد صدر نتيجة اكراه)
وجاء في المادة (٣٣٣) من قانون العقوبات العراقي:
يعاقب بالسجن او الحبس كل موظف او مكلف بخدمة عامة عذب او امر بتعذيب متهم او شاهد او خبير لحمله على الاعتراف بجريمة او للأدلاء بأقوال او معلومات بشأنها او لكتمان امر من الامور او لإعطاء راي معين بشأنها. ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة او التهديد.
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الموقرة في قرارها :
نوع الحكم: جزائي
رقم الحكم: 246/اعتراف/2010
تاريخ الحكم: 22/3/2010
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: اعتراف المتهم الحدث أمام قاضي التحقيق بحضور نائب المدعي العام والمحامي المنتدب، لا يُعتد برجوعه عنه أمام المحكمة ما لم يثبت الإكراه بتقرير طبي.
خامساً: من شروط صحة الاعتراف أن يكون الاعتراف على سبيل الجزم واليقين.
ويقصد به بأن يكون الاعتراف واضحًا وصريحًا وحقيقيًا ومطابقًا للوقائع المادية الموجودة في محل الحادث و مستندًا إلى وقائع حقيقية وليس تخيلات وان يتطابق الاعتراف مع بقية الادلة القانونية في الدعوى كافادات الشهود و محضر الكشف على مخطط الحادث وكشف الدلالة وغيرهامن المحاضر الرسمية .
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الموقرة في قرارها :
نوع الحكم: جنائي
رقم الحكم: 455/أدلة/2009
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: اعتراف المتهم مدعوم بشهادات عيانية ومطابق للوقائع، كافٍ للإدانة.
وفي قرار اخر لمحكمة التمييز الموقرة قضت :
نوع الحكم: جنائي
رقم الحكم: 83/التحقق من الوفاة/2006
جهة الإصدار: محكمة التمييز الاتحادية
مبدأ الحكم: على المحكمة التحقق من وفاة المجني عليه وربط شهادة الوفاة بالأوراق في حالة القتل أو إثبات الفقدان.
الخاتمة:
إن مراعاة شروط صحة الاعتراف كدليل قانوني تعد خطوة أساسية لتحقيق العدالة وضمان حقوق الأطراف في الدعوى الجزائية حيث تُعد من الضمانات الجوهرية في الدعوى الجزائية التي تحمي حقوق المتهم وتمنع إساءة استخدام الاعتراف كوسيلة للإدانة. ومن جهة ثانية تعد من اهم الدفوع القانونية في الدعوى الجزائية وقد حرص المشرّع العراقي والقضاء على بيان تلك الشروط بشكل واضح لضمان تحقيق العدالة، والتفريق بين الاعتراف الصحيح والباطل.حيث إن الوقوف على تلك المبادئ وتطبيقها هو السبيل لضمان محاكمة عادلة.
الاعتراف و الضمانات الدستورية لحماية حقوق المتهمين في القانون العراقي
جلسات قانونية
ما هو المقصود بشرط صدور الاعتراف أمام جهة قضائية؟
يعني أن يصدر الاعتراف من المتهم أمام سلطة قضائية مختصة مثل المحقق، قاضي التحقيق، أو محكمة الموضوع، ولا يُعتد باعتراف صادر خارج هذه الجهات.
هل يُشترط أن يكون المتهم بالغاً لاعتبار الاعتراف صحيحاً؟
نعم، يجب أن يكون المتهم قد بلغ سن الرشد الجنائي، وفقًا لما نص عليه قانون رعاية الأحداث، حتى يُعتبر اعترافه قانونيًا هو سن التاسعة
ما دور العقل في صحة الاعتراف؟
شترط أن يكون المتهم عاقلاً ويدرك تصرفاته، ولا يجوز الاستناد إلى اعتراف صادر في حالة فقدان الإدراك أو الوعي الناتج عن مرض عقلي أو تأثير المخدرات أو الكحول.
هل يجوز الأخذ باعتراف تم انتزاعه بالإكراه أو التعذيب؟
لا، فوفقًا للدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي ، يُعد الاعتراف المنتزع بالإكراه أو التعذيب باطلًا وغير مقبول قانونًا.
ماذا يحصل إذا ثبت أن المحكوم عليه يعاني من عاهة عقلية بعد الحكم؟
استنادا لاجكام المادة 283 من قانون العقوبات العراقي اذا ثبت بتقرير من لجنة طبية مختصة أن المحكوم عليه مصاب بعاهة عقلية بعد الحكم عليه، فإن المحكمة تقرر وضعه تحت الحراسة في إحدى المؤسسات الصحية الحكومية المعدة للأمراض العقلية حتى تنتهي مدة العقوبة. وإذا شُفي قبل انتهاء المدة، يُعاد إلى السجن لإكمال ما تبقى منها، وتُحسب مدة بقائه في المؤسسة الصحية من ضمن مدة العقوبة.























